ابن تيمية

78

مجموعة الفتاوى

و " حَدِيثُ عَمَّارٍ " قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ رَأَى الْقِتَالَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ قَاتِلُوهُ بُغَاةً فَاَللَّهُ يَقُول : { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي } . والمتمسكون يَحْتَجُّونَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي { أَنَّ الْقُعُودَ عَنْ الْفِتْنَةِ خَيْرٌ مِن القِتَالِ فِيهَا } وَتَقُولُ : إنَّ هَذَا الْقِتَالَ وَنَحْوَهُ هُوَ قِتَالُ الْفِتْنَةِ ؛ كَمَا جَاءَتْ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ تُبَيِّنُ ذَلِك ؛ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ بِالْقِتَالِ ؛ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ ؛ وَإِنَّمَا رَضِيَ بِالصُّلْحِ ؛ وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ بِقِتَالِ الْبَاغِي ؛ وَلَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالِهِ ابْتِدَاءً ؛ بَلْ قَالَ : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } قَالُوا : وَالِاقْتِتَالُ الْأَوَّلُ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهِ ؛ وَلَا أَمَرَ كُلَّ مَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَاتِلَ مَنْ بَغَى عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ إذَا قَتَلَ كُلَّ بَاغٍ كَفَرَ ؛ بَلْ غَالِبُ الْمُؤْمِنِينَ ؛ بَلْ غَالِبُ النَّاسِ : لَا يَخْلُو مِنْ ظُلْمٍ وَبَغْيٍ ؛ وَلَكِنْ إذَا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ مِن المُؤْمِنِينَ فَالْوَاجِبُ الْإِصْلَاحُ بَيْنَهُمَا ؛ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا مَأْمُورَةً بِالْقِتَالِ ، فَإِذَا بَغَتْ الْوَاحِدَةُ بَعْدَ ذَلِك قُوتِلَتْ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتْرُكْ الْقِتَالَ ؛ وَلَمْ تُجِبْ إلَى الصُّلْحِ ؛ فَلَمْ يَنْدَفِعْ شَرُّهَا إلَّا بِالْقِتَالِ . فَصَارَ قِتَالُهَا بِمَنْزِلَةِ قِتَالِ الصَّائِلِ الَّذِي لَا يَنْدَفِعُ ظُلْمُهُ عَنْ غَيْرِهِ إلَّا بِالْقِتَالِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . { مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ حُرْمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ } . قَالُوا : فَبِتَقْدِيرِ أَنَّ جَمِيعَ الْعَسْكَرِ بُغَاةٌ فَلَمْ نُؤْمَرْ بِقِتَالِهِمْ ابْتِدَاءً ؛ بَلْ أُمِرْنَا بِالْإِصْلَاحِ